5
| للأستاذ احمد احمد بدوى | |
| مقدمة | |
| ارتقت الخطابة في عهد على بن أبي طالب ارتقاء واضحاً وصارت سلاحاً قوياً يلجأ إليه الخليفة وخصمه ؛ يثيران بها الأنصار ، ويحفزان النفوس الى الغارة والحروب ؛ ولقد خلف لنا هذا العصر قدراً كبيراً من الخطب ، لم يؤثر مثله طول عهد الخلفاء الراشدين ؛ وليس ذلك بعجيب ؛ فان المسلمين لم يقفوا موقفاً يحتاج الى كثرة الخطابة ، كهذا الموقف الذى وقفوه أيام على ومعاوية . | |
| لم يقف المسلمون قبل اليوم يحارب بعضهم بعضاً ، وانما كانوا يجتمعون لحرب المشركين ، ونشر لواء الدين ، تملأ قلوبهم الروح المعنوية ، والايمان القوى المتين ، وتحدوهم العقيدة أن احدى الحسنيين ؛ فكان لهم من أنفسهم وازع أى وازع ؛ قلبهم يدفعهم ، وعقيدتهم تقودهم ؛ فلم يكونوا يوم خرجوا المحاربة الفرس والروم فى حاجة الى اطالة القول والإطناب في الخطابة لأن الدين الجديد وعقيدتهم في وجوب نشره كان يحفزهم الى الجهاد ، ويملأ قلوبهم ثقة بالنصر ، معتقدين أن الله يمدهم بزوح من عنده ، وأن المجاهد منهم تنتظره جنات وعيون ، أو نعيم الدنيا وما يغنمه من العدو ، وما يناله من القيء . | |
| أما اليوم فهم مدعوون لحرب قوم لا يشركون بالله ، ولا ينكرون محمداً ، بل هم على دينهم وعقيدتهم ، ومن جنسهم وملهم ولذلك كان الموقف الجديد في حاجة الى خطيب يبرر حرب المسلم أخاه المسلم وقتل العربى بنى قومه العرب ، واحتاج قادة الفريقين وزعماؤهم الى الخطابة يقوون بها الروح المعنوية ، ويخلقون في نفوسهم الايمان بأنهم يحاربون من أجل الحق والدين الذي آمنوا به ، وبأن جهادهم ليس إلا لتمكين الاسلام ، وتنفيذ أحكامه ، وكان المتحاربون فى حاجة إلى هذه الروح حتى تشتد سواعدهم على قتل إخوانهم وذوى قرباهم ، وكان الزعماء يلجأون إلى الخطابة كثيراً ، حتى لا تفتر هذه الروح ولا تضعف ؛ وكثرة تكرار القول تدخل فى النفوس توهم صدقه وصحته ، وذلك هو السر فى كثرة ما ورثناه من خطب هذا العصر كثرة لم نعهدها في خطب الخلفاء حينما كانوا يحضون المسلمين على حرب المشركين . | |
| ولكن الذي بين يدينا من خطب على وصحبه ، أكثر مما ورد لمعاوية وأركان حربه ، ويمكن أن ترجع ذلك إلى أن كثيراً من آثار معاوية وأنصاره ، قد امتدت إليه يد النسيان والضياع ، بعد سقوط دولتهم ، وتشتت شمل معاونيها ، فان الدولة الأموية بعد سقوطها لم يحاول أنصارها يوماً رفع رءوسهم ولا محاولة رجوعها ، ففقد بفقدانها الكثير من آثار خلفائها ؛ أما العلويون فمع أنهم كانوا يحاربون ويُقتلون ، ويلاقون من الحياة الشدة والعناء ، كان لهم فى كل مكان الأنصار والمروجون لدعوتهم والساعون إلى إقامة خلافتهم ، وقد نجحوا في كثير من الأحيان فكان من الضرورى لهم أن يحفظوا كلام إمامهم ، وأن يتناقلوا أحاديثه وخطبه . | |
| ويمكن أن نرجعه إلى أن كثيراً من الخطب التي نسبت إلى على وضعت بعد عصره وضعاً ، وأضيفت إليه من غير أن يكون قد قالها ، ولا نريد الآن أن نمحص هذه الخطب ، وأن نبين ما وضع منها وما لم يوضع، ولكن نقرر أن كثيراً من هذه الخطب ألصق به إلصاقاً ؛ فكان سبب ما نراه من كثرة كلام على كثرة يقل أمامها ما قاله معاوية ؛ هذا إلى أنه مما لا شك فيه أن علياً كان أبين من معاوية قولا وأفصح منه لساناً. | |
| ويمكن أن يكون السبب قلة حاجة معاوية إلى الخطابة بالنسبة إلى على ، فلقد كانت الروح المعنوية في نفوس أهل الشام أقوى وأشد منها في نفوس أهل العراق ، لأن معاوية قد ألقى في روعهم أنهم إنما قاموا يقتصون لخليفة قتل مظلوماً ، ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ؛ ومن أولى بالدفاع عن حق عثمان من معاوية ؟ وكان مكر معاوية ودهاؤه حين يقول : إننا لا نريد منهم سوى قتلة عثمان ، فليدفعوهم إلينا ونحن نبايع صاحبهم – يحرك الشاميين إلى الأخذ بثأر عثمان ، فلا حاجة إلى كثرة الخطابة وتكرير القول ، هذا إلى أن أهل الشام كانوا أطوع لمعاوية من أهل العراق لعلى . فمعاوية وأبوه وأخوه من قوادهم يوم حارب المسلمون فى الشام ، وإلى أن الشاميين كانوا في موقف المدافعين عن بلادهم، الذائدين عن حياضهم وعن أبنائهم ونسائهم ، وهذا مما | |
| يقوى في نفوسهم روح الجهاد ويدفعهم إلى الحرب والقتال . وهناك سبب آخر هام دعا إلى كثرة خطابة على وصحبه ، فلقد كان الخلاف يمشى إلى قلوب أنصاره ، وكان المخالفون يبينون رأيهم بالخطابة فكان من الضروري أن يقف بينهم خطباء يدعونهم إلى الألفة واجتماع الشمل ؛ هذا إلى أن أصحاب على قد خذلوا خليفتهم ، وتقاعسوا عن نصرته ، فاضطر إلى أن يرقى ذرا المنابر . وأن يرسل فيهم الصيحة تلو الصيحة يحرضهم على مناجزة أعدائه . وللإمام وأنصاره خطب كثيرة في هذا الغرض. على أن معاوية كان يلجأ إلى الخطابة الصامتة : فما كان عليه الا أن يعلق على المنبر أصابع زوج عثمان التي قطعت في الدفاع عنه ، وقميص عثمان ، فيغنيه هذا عن تدبيج القول واطالة الحديث؛ اذ يجد من حوله ينادون : هيا الى الأخذ بالثأر ، هيا الى الحرب والقتال ؛ وقد يكون السبب مزيجاً من ذلك كله . | |
| لم يكن لعلي بد من أن يخلق في أنصاره الروح المعنوية ، وأن يبرر لهم موقفهم من حرب قومهم واخوانهم ، وأن يملأ قلوبهم بالحماسة والبسالة ، ويوغر صدورهم ضد عدوه معاوية ومن معه ، فأحياناً يلجأ إلى العاطفة الدينية يثيرها فيظهر أعداءه في مظهر المارقين عن الدين، والهادمين لأسسه ومبادئه ، هذا الدين الذي كان أجل ما يعتزون به ويحاربون في سبيله ، فيقول على في خطبة : «وايم الله ماوتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم ، وان هؤلاء القوم لا يقاتلونكم الا عن دينكم ؛ ليميتوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عن وجل منها بحسن البصيرة ؛ فطيبوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم ، فإن ثوابكم على الله ، والله عنده جنات النعيم ؛ وان الفرار من الزحف فيه السلب للعزّ ، ومغلبة على الفيء ، وذل المحيا والمات ، وعاب الدنيا والآخرة ، وسخط الله وأليم عقابه » وهذه الفكرة قد تكرّرت في أكثر خطب على لتتأكد في نفس أصحابه ؛ ولتصبح عقيدة إلى جانب عقيدتهم ، تدفعهم إلى حرب قومهم وبنى ملتهم . | |
| وأحيانا يثير فيهم الأنانية ، فيبين لهم سوء المغبة إذا انتصر معاوية عليهم ، ويحدثهم عما سوف ينالهم على يديه من والهوان ، فيقول : «أما والله لكن ظهروا عليكم بعدى ، لتجدنهم أرباب سوء ، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم | وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب ، لا تأخذون لله حقاً ، ولا تمنعون له حرمة ، وكأني أنظر إليهم ، يحرمونكم ويحجبونكم ، ويدنون الناس دونكم » . وأحسب أن المرء حين يغرس في نفسه أنه إنما يدافع عن كيانه ، ليحفظ على نفسه حياتها وسعادتها وأمنها – يدافع عن حياضه ببسالة وقوة وهو مايرى إليه على مخطابته . |
| وتارة يلجأ إلى ماضى أعدائه ؛ فيذكرهم به ، ويتحدث عما كان لهم ولابائهم من قبلهم من خصومة للإسلام ، وسعي إلى تحطيم أساسه ، ثم يأخذ في بيان ماله من مآثر ومزايا ، تجعل الموازنة بينه وبين معاوية ضربا من العبث ؛ قال عليٌَ : « . . . لم يرعنى إلا شقاق رجلين قد بايعانى ، وخلاف معاوية ، الذى لم يجعل الله له عز وجل سابقة فى الدين ، ولا سلف صدق في الاسلام ، طليق بن طليق ، حزب من الأحزاب ، لم يزل الله عز والجل ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين ـ عدواً ، هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين ؛ فلا عزو إلا خلافكم معه ، وانقياد كم له ، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، الذين لا ينبني لكم شقاقهم ولا خلافهم ، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً » و بیان مآثر على ومزاياه ، ونقائص معاوية والطعن في أعراضه ومقاصده ، أهم مايدور عليه خطب العلويين حين يدعون قومهم إلى الحرب والقتال . | |
| أما معاوية بن أبي سفيان فقد لجأ أيضاً إلى الناحية الدينية يثيرها فى نفوس قومه ويحفزهم بها إلى الجهاد والقتال ؛ ينثر أمامهم حجته الوحيدة التى دفعته إلى الخلاف وشق عصا الطاعة وهي قتل عثمان ، وادعاؤه أن علياً آوى قتلته ولم يأخذ بثأره ، ولذلك كان هو ومن معه قوماً نكثوا البيعة ، وسفكوا الدم الحرام في البلد الحرام. | |
| أغراض الخطابة | |
| وهناك شيء آخر يستطيع أن يستغله معاوية في إثارة حفيظة قومه : ذلك أن علياً وصحبه قوم أقبلوا من بلادهم ، واعتدوا على حرمة الشاميين وحرمة ديارهم ، فليس أمامهم إن أرادوا الحياة خالية من العار إلا أن يقاتلوا ويذبوا عن نسائهم وأبنائهم ، قال معاوية يحرص قومه على القتال : « . . . أنظروا يا أهل الشام إنكم غدا تلقون أهل العراق ؛ فكونوا على إحدى ثلاث خصال : إما أن تكونوا طلبتم ماعند الله في قتال قوم بنوا عليكم ؛ فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا بيضتكم ، وإما أن تكونوا قوماً تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم ؛ وإما أن تكونوا قوماً تذبون عن نسائكم وأبنائكم ، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل واسألوا الله لنا ولكم النصر | » . |
| وأيضاً كان يلجأ معاوية وصحبه في تقوية الروح المعنوية إلى الحديث عن ضعب جيش العراق وتفرق كلمته وإدبار أمره ولا ريب أن مثل ذلك الحديث يشجع قومه ويغريهم بالثبات ، حتى يتم الانتصار ؛ قام عمرو بن العاص يحرض أهل الشام على القتال فقال : « إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم ، وفلوا حدهم ، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلى ، قد وترهم وقتلهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل ، وإنما سار في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم ؛ فالله الله في حقكم أن كورة فالله تضيعوه ، وفي دمكم أن تطلوه. | |
| أما العلويون فإنهم لم يستغلوا هذه الناحية أيما استغلال ، مما يدل على أن جيش معاوية لم يدع لهم هذه الفرصة ، بل كان جيشاً متحداً متماسكا ، ولكنهم استغلوا ناحية أخرى ؛ هي أن معاوية ليس معه من له قدم سابقة فى الاسلام ، أما هم فمعهم جلة الصحابة والأنصار والبدريين ؛ قال الأشتر النخعي يحث العلويين على الحرب : « | إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدرى ، سوى من حولكم من أصحاب محمد ، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فمن يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب ! . . . » وهذا هو الحق فلقد كان أكثر الصحابة منضمين تحت راية على ، ولكن ذلك لم يستطع الوقوف أمام دهاء معاوية وعمرو بن العاص ؛ فقد استطاعا بفضل ما أوتياه من الحصافة والمكر أن يظهرا بقلهما على كثرة على ومن تبعه من صحابة وأنصار. |
| لم يكن التحريض على القتال هو كل أغراض الخطباء في ذلك العهد ؛ بل كان من أغراضهم أيضاً الصلح بين المتقاتلين ؛ فلقد سمت الرسل بين الفريقين تريد حقن الدماء ، وكانت الخطابة عماد أحاديثهم ، وإن لم يوفق الخطباء إلى أداء مهمتهم ؛ فلقد كانوا مهددين أكثر منهم سياسيين دهاة ، يستلون السخائم من الصدور واستمع إلى حبيب بن مسلمة رسول معاوية إلى على يقول : . . . أما بعد فإن عثمان بن عفان رضى الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل ، وينيب إلى أمر الله ؛ فاستثقلم حياته واستيطأتم وفاته ، فعدوتم عليه ، وقتلتموه رضى الله عنه ، فادفع إلينا قتلة عثمان ؛ إن زعمت أنك لم تقتله ، نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس ، فيكون أمرهم شورى بينهم ، يولى الناس أمرهم من أجمع عليهم رأيهم » ولذا قال له على : « وما أنت لا أم ( لك ) والمذل ؟ ! » . ويقول عدى ابن حاتم رسول على إلى معاوية : أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحفن به الدماء ، ويؤمن به السبل ، ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين ، أفضلها سابقة ، وأحسنها في الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس ، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذى رأوا ؛ فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية ؛ b لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل » . فلما انتهي ، قال معاوية : كأنك جئت مهدداً ، لم تأت مصلحاً. | |
| والحق أن الخطابة التي كان يقوم بها سفراء الزعيميين لم تكن لتدل إلا على أنهما يرغبان فى أن يستخلصا حقهما بالسيف ؛ أما السفارة فلكيلا يكون تمت مدعاة للوم أحدهما إذا اضطر إلى امتشاق الحسام. | |
| وكان من أغراضها أيضاً نصح الصحب ، وإرشاد المقاتلين إلى ما يجب أن يفعلوه فى الحرب كما يفعل القائد قبل الهجوم ، يوصي جنده ويمنحهم نصائحه : قال على يرشد مقاتلته : « معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية وتجليبوا السكينة ، وعضوا على النواجد فإنه أتى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللأمة ، وقلقلوا السيوف فى أغمادها قبل سلّها ، والحظوا الخزر ، واطعنوا الشرر ونافحوا بالظبا ، وصلوا السيوف بالخطا ، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله . . . » | |
| ومن أغراض الخطابة لذلك العهد الدفاع عن الرأي ، ومقارعة الحجة بالحجة ، وتفنيد براهين الخصم ، وأظهر مثال لذلك الخطب التي قالها على والخوارج ؛ فهي خطب مليئة كلها بالحجج والبراهين من جانب الخوارج ومن جانب الامام. | |
| كانت أساليب الخطابة لذلك العهد رصينة في جملتها ، سهلة الألفاظ إلا فى القليل ، لها مميزات الخطابة القوية ، تعتمد على الألفاظ الضخمة ، وعلى الجمل القصيرة يقل فيها السجع إلا إذا جاء عرضاً غير مقصود ، فالخطبة ترسل إرسالا ، لا تكان فيه ولا تنميق ، ومع ذلك تكون قوية الأسر ، متينة السبك ، ولا غرو فلقد كان القائلون مقاويل العرب وأبلغهم وكان المقام يتطلب لساناً بليغاً يحرضهم ويدعوهم. | |
| ولقد كثر الاقتباس من القرآن ، وكان على وصحبه أكثر غراما بالاقتباس يدخلون الآية والآيات في معرض خطبهم. | |
| هناك ملاحظة تبدو فى خطب على وتظهر ظهوراً واضحاً إذا أنت وازنت بين خطبه التي قالها في أول النزاع وآخره ؛ فانك تجد خطيه التي قالها بعد التحكيم ، والتي يستفز فيها القوم إلى حرب معاوية ، ضخمة فى ألفاظها ، قوية في أسلوبها ، متينة فحمة ، أمتن وأقوي من تلك الخطب التي قالها فى أول النزاع ، وكانت خطبه تشتد وتقوي ، كلما ضعف أمله في نصرة قومه ، وزاد توا كلهم ) و مخاذهم ، وحسبك أن ترجع إلى خطبته التي قالها لرؤساء أنصاره ووجوههم بعد أن رجع من حرب الخوارج ؛ أو إلى خطبته بعد أن أغار النعمان بن بشير على عين التمر ، أو عندما أغار الضحاك من قيس على الحيرة ، أو حينما أغار سفيان من الغامدي على الأنبار ، واستمع إلى السيل المتدفق من فم على حين يقول : | ألا وإنى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً ، وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غنى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتخاذلتم وتوا كليم ، وثقل عليكم قولى واتخذتموه وراءكم ظهريا ، حتى شنت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الأوطان ؛ هذا أخونا مد قد وردت خيله الأنبار ، وقتل حسان بن حسان البكرى ورجالاً منهم كثيراً ونساء ، وأزال خيلكم عن مسالحها ، والذي نفسي بيده ، لقد بلغني أن كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعنها ، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترخام، ثم انصرفوا وافرين، ما قال رجلا منهم كلم ، ولا أريق لهم دم ، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندى فيه ملوما ، بل كان به عندى جديرا . |
| يا عجباً كل العجب ! عجب يميت القلب ، ويشغل الفهم ، ويكثر الأحزان ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن حقكم ، حتى أصبحتم غرضا ، تُرمون ولا ترمون ، ويغار عليكم ولا تغيرون ، ويعصي الله عز وجل فيكم وترضون ، إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء ، قلتم هذا أوان قُروص ، وإن قلت لكم : إغزوهم في الصيف ، قلتم : هذه حمارة القيظ ، أنظرنا ينصرم الحر عنا ؛ فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون ، فأنتم والله من السيف أخر ، يا أشباه الرجال ولا رجال ! ويا طعام الأحلام ! ! ويا عقول ربات الحجال : لوددت أنى لم أركم ، ولم أعرفكم ، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما ! قاتلكم الله ، لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحتم صدري غيظا ، وجرعتمونى نفس الهمام أنفاسا ، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخزلان | |
| وتعليل هذه الظاهرة سهل يسير ، هو ذا التخاذل الذى بدا من القوم بعد التحكيم ، فلقد سئموا القتال وملوه ، وركنت نفوسهم إلى الهدوء والدعة ، واستسلموا إلى الراحة ، ووجدت الفرقة سبيلها إلى قلوبهم ، فكان الإمام فى أشد الحاجة إلى ما يبعت الحياة فيهم ، ويعيد الحماسة اليهم ، فلا عزو ، كان يلجأ إلى الخطابة فيجعلها قوية الأسر ، مليئه بالألفاظ الضخمة التي تثير النفس ، وتبعث النخوة ، مفعمة بالتحذير والإنذار ، علها يحي الميت أو تبعث الروح في الجماد . | |
| خاتمة | |
| نستطيع أن تقول : إن الخطب في عهد على تؤرخ ننا الحالة السياسية ، وتسجل أهم ما كان في فترة خلافة على ، وفضلا عن ذلك نستطيع إذا أنت تتبعت الخطب ، أن تلمس الحوادث التي قيلت فيها لمسا، وهى تكشف لك في صراحة نفسية الامام على ، وتبين الأدوار التي مرت فيها آماله : من النهوض والتفاؤل في أول الأمر ؛ إلى اليأس والقنوط في آخره ، كما أنها تكشف أيضا نفسية قومه ، وتضعها أمامك فى صورة واضحة ، وإن المؤرخ ليجد في هذه الخطب معينا لا ينضب ، يساعده على فهم نفسيات المتقاتلين ليدرك النتائج التي وصلت اليها الحرب ، وكيف كانت طبيعية لا بد من حدوثها . | |