2
| بقلم: د. عبد الله الطيب | |
| المصد: المجمع العلمي العربي 1 يناير 1996 | |
| لشوقي رحمه الله مراث كثيرة. بعضهن أنطقهن الحزن على أم رؤوم أو ذي قربى ومودة حميم، وبعضهن كن للوفاء والمجاملة، أو للمشاركة في واجب وطني أو عُرف اجتماعي. ولفتتني قصيدته الهمزية في رثاء الشيخ عمر المختار رحمه الله أيما لفت، لما فيها من معاني الغضب والحزن معاً. | |
| قال أبو الطيب: «فـحزن كل أخي حزنٍ أخو الغضب» . والغضب الذي فيها فكري كما هو قلبي وجداني، والقصيدة ذات إيقاع مندفع وحرارة. | |
| وشوقي رحمه الله شاعر مترنم تغلب عليه التقية في الأمور. مع ذلك هو ذو مواقف من عقل وقلب وأدب تصعد به إلى قمم عاليات. | |
| من ذلك مثلاً قوله في أرجوزة عن ملوك العرب: | |
| ما كان ضـر نـصـراء الـبـيـعـه | |
| لوصبروا على الوغى سويعة | |
| غادرهم بسحره معاويه | |
| كـأنـهـم أعــجــاز نـخـل خــاويـة | |
| ألقى القنا وشرع المصاحفــا | |
| ينشد بالله الخميس الزاحفا | |
| لا يرفع المصحف كالدفوف | |
| والسلم لا تذكر في الصفوف | |
| ومن ذلك حزنه على تساقط أطراف الخلافة العثمانية قطعة بعد قطعة في زمان كان الباب العالي قد جعلت تقرعه الدعوات القوميات تركية وعربية وغير ذلك قرعاً لا دينياً فظاً. قال رحمه الله : | |
| صبراً أدرنه كل ملك زائل | |
| يوماً ويبقى المالك العلام | |
| خفت الأذان فما عليك موحد | |
| يسعى ولا الجمع الحسان تقام | |
| في ذمة التأريخ خمسة أشهر | |
| طالت عليك فكل يوم عام | |
| السـيـف عـار والوباء مسلط | |
| والسيل خوف والثلوج ركام | |
| اختار في هذه القصيدة شوقي المترنم عادةً، بحراً رنانا، وقافية ذات صياح صارخ همزة مفتوحة بعدها إطلاق ممدود: | |
| ركزوارفاتك في الرمال لواء | |
| يستنهض الوادي صـبـاح مــســاء | |
| وجعل أساس انفعاله وحزنه منبثقاً من انتمائه الإسلامي وإحساسه بماضي حضارة الحنيفية والعرب المجيد، وغضبه على المستعمر الأوربي الصليبي في تغوله على أقطار العرب المجاورة وعلى مصر وعلى بلاد إفريقية المسلمة والسودان، وما كان يفعله المستعمرون من أفعال القسوة بتعصبهم الحضاري والعنصري والديني أو كما يظنون. | |
| وقد استفظع شوقي مقتل الشيخ الجليل عمر المختار رحمه الله شنقاً والازدراء بقدره والتهاون بوقاره وتقدم سنه: | |
| يا ويحهم نصبوا مناراً من دم | |
| توحي إلى جيل الـغــد الـبـغــضــاء | |
| ههنا نبوءة شاعر وكشفه، موضع الجودة في هذا البيت مافيه من الحدس الصادق أن فعل المستعمرين هذا سيتجاوز وقته وجيله ليغرس حقداً في قلوب أجيال ستأتي – أجيال تطلب الثأر الثقيل بسلاح ثقيل، وركن الظلم منهدم لا محالة. | |
| ماضر لو جعلوا العلاقة في غد | |
| بين الشعوب مودة وإخاء | |
| هذه أمنية بعيد أن تتحقق، وكأن شوقياً رحمه الله قد أحس بضعفها، إذ لا مودة مع الظلم: | |
| والظلم من شيم النفوس فإن تجد | |
| ذاعفة فلِعلّةٍ لا يُظلم | |
| وكان شوقي رحمه الله بطبعه مسالماً لطيف إحساس النفس، فأضرب عن هذه الفكرة البعيدة المنال، ثم كأن فيها نفساً غير مسلم. | |
| أليس حقاً أمر الناس كما قال الله في كتابه العزيز: | |
| ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين . [سورة البقرة، الآية ٢٥١] | |
| قال محمد بن جرير : ( ولو لا أن الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة والإيمان به، بعضاً وهم أهل الكفر بالله والمعصية له». ثم فصل محمد ابن جرير القول . وقال الزمخشري : ( لو لا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لفسدت الأرض » إلى آخر ما قال، وقال زهير وهو عربي جاهلي كما نعلم: | |
| ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه | |
| يهدم ومن لا يتق الشتم يشتم | |
| وقال: | |
| ومن يعص أطراف الزجاج فإنه | |
| يطيع العوالي ركبت كل لـهـذم | |
| وقال أبو الطيب: | |
| ونذمهم وبهم عرفنا فضله | |
| و بضدها تتبين الأشياء | |
| وهذا أصل في الفكر والمعرفة، إذ لا بد من معرفة الأمر ومقابله المباين المضاد له حتى نتمكن من معرفته. | |
| عدل شوقي رحمه الله عن أمنية المسالمة اللينة: | |
| ما ضر لو جعلوا العلاقة في غـد | |
| بين الشعوب مودة وإخاء | |
| لعلمه باستحالة تحقيقها بعد أن هم أن يستطرد إليها وعدل فقال: | |
| يا أيها السيف المجرد بالفلا | |
| يكسو السيوف على الزمان مضاء | |
| تلك الصحارى غمد كل مهند | |
| أبلى فأحسن في العدو بلاء | |
| وقبور موتى من شباب أمية | |
| وكهولهم لم يبرحوا أحياء | |
| وكأن شوقياً رحمه الله قد توهم أنه من شباب أمية، ثم فطن ـ إلى أنه كهل فأضاف « وكهولهم ، وكان معاوية عندما استعصى على علي كرم الله وجهه أدنى إلى الشباب منه إلى سن الشيوخ. | |
| ولشوقي غرام بما كان لبني أمية من مجد وحضارة ملك عضوض، على ميله بتشيع ما إلى أمير المؤمنين. وليس هذا من باب التناقض إذ لم يقع منه في قصيدة واحدة. وعند قدامة ألا بأس بالتناقض إذا وقع في قصيدتين مختلفتين. والشعراء مع قلب الشعر وهو قلب. وكم منهم من مدح ثم عاد فهجا، أو هجا ثم رجع عن ذلك فمدح. | |
| هذا ولو قد فطن شوقي فما كان شبان بني أمية إلا من قريش، وقد يعلم رحمه الله الحديث الشريف أن مبدأ فساد الأمر سيكون بسبب غلمة من قريش. | |
| على أن الذي أراده شوقي هو كما قدمنا أن يتغنى بالمجد العربي القديم ما أسسه الراشدون أهل الفتوح والدعوة بعد وفاة النبي ﷺ وما صنع بنو أمية وبنو العباس بالمشرق والمغرب. وقد بلغت خيل الوليد حدود الهند والصين. وبلغت خيل هشام ناحية آخن وغابات ألمانيا وما ارتدت عن نهر الفين إلا بعد أن خر القائد من رمية سهم غرب، فخاف القوم أن يقع بينهم خلاف فرجعوا – ومنهم من بقي واستمات واستشهد. | |
| لو لاذ بالجوزاء منهم معقل | |
| دخلوا على أبراجها الجوزاء | |
| وما كان دخول معاقل أوربا إلا كدخول الجوزاء. | |
| سابقتهم هي التي هيأت للعثمانيين من بعد أن يفتحوا القسطنطينية وأن يقرعوا أبواب فينا بالحديد. | |
| نسأل الله ألا تكون عاقبة الإسلام في مشرق أوربا كما كانت في الأندلس والغرب، ولعمري ماضر بني الإسلام بالأندلس إلا طوائفهم المتفرقة وما خالطها من جور وفتن. | |
| هذا ثم تمضي القصيدة في معان من ذكر الشهادة وتأبين الشيخ الشهيد في لفظ حار ومعنى بار: | |
| بطل البداوة لم يكن يغزو على | |
| تنك ولم يك يركب الأجواء | |
| لكن أخو خيل حمى صهواتها | |
| وأدار من أعرافها الهيجاء | |
| دفعوا إلى الجلاد أغلب ماجداً | |
| يأسو الجراح ويطلق الأسراء | |
| وليس ذلك من أدب الاستعمار ولا منهج عنصريته. | |
| ويشاطر الأقران ذخر سلاحه | |
| ويصف حول خوانه الأعداء | |
| لا يبخل عليهم بزاد. ويحبو الأحباب كما لا يخفى، ولم يضق نطاق البيت عن هذا المعنى لكنه متضمن فيه. | |
| وتخيروا الحبل المهين منية | |
| لليث يلفظ حوله الحـوبـاء | |
| يا أيها الشعب القريب أسامع | |
| فأصوغ في عمر الشهيد رثاء | |
| ذهب الزعيم وأنت باق خالد | |
| فانقد رجالك واختر الزعماء | |
| وأرح شيوخك من تكاليف الوغى | |
| واحمل عـلـى فـتـيـانـك الأعــــبــاء | |
| والأعباء لا يتحملها الفتيان وحدهم. وكما في الفتيان جراءة واندفاع في الشيوخ أناة وحزم وصبر. | |
| نسأل الله سؤال العانين الخاضعين لسطانه الخاشعين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين . [سورة البقرة، الآية ٢٨٦] |