2
شرح: محمد وقيع الله
لمحة إلى الشاعر
مؤلف القصيدة سعيد عقل، شاعر ومفكر مسيحي عاش طوال دهره ١٩١٢ – ٢٠١٤م) مضطرب الفكر، محتدم العاطفة، متناقض الوجدان. ابتدر حياته داعية شعوبيا متطرّفا حاملا لواء الفينيقية جنسا ولغة وحضارة، وداعيا إلى فصل وطنه لبنان عن منتظم العروبة والإسلام، ثم ما لبث أن ختم حياته الصاخبة بتمجيد الغزاة لأرض الوطن.
نشر أول دواوينه الشعرية بعنوان (يارا) في لغة قديمة ميتة قال إنها سليلة اللغة الفينيقية وقد اصطنع لها حروفا لاتينية وأخرى من إبداعه الخاص، ولما أخفقت تجربته المغامرة ببوار دیوانه عاد يكتب شعره بلغة الضاد.
ولا ندري هل كانت لحظة صدق أن جادت قريحته حين انتاب قلبه العجب بجلال منظر حجيج بيت الله الحرام، أم أنه كان يتجمل إلى بني قومه. المهم أنه نظم هذه الأبيات الشوارد التي جابت الآفاق.
لمحة إلى القصيدة
قرن الشاعر طواف الحجيج وصلاتهم بمكة بمظاهر من سماء الكون وأرضه؛ فكأنه جعل الدنيا بأسرها تتواشج في عبادة خاشعة لله تعالى، ودعا الشاعر قراء القرآن المجيد أن يرفعوا أكفهم بالدعاء للمسلمين الذين رآهم من أهله الآن، وقال إن تلاوة كتاب الإسلام تبت نسائم العطر على الفيافي لا والقفار.
وصور الشاعر صلاة الحجيج، وتلبيتهم، ودعاءهم بمكة، على أنها تشبه استسلام رمال الصحاري وقماريها لعبادة الله تعالى.
ودعا الشاعر الله تعالى أن يُعزّ مواكب الحجيج من مختلف الأعراق والألوان التي لا تجتمع هكذا إلا في أيام الحج في مكة الحرام.
غَنّيتُ مَكةَ أهلها الصيدا
والعيد يملأ أضلعي عيدا (۱)
فرحوا فلألا تَحتَ كُلِّ سَماً
بَيْتُ على بَيْتِ الهُدَى شيدا (٢)
وعلى اسمِ رَبِّ العَالَمِينَ عَلا
بنيانه كالشَّهْبِ ممدودا (۳)
يا قارئ القرآن صَلَّ لَهُمْ
أهلي هناك وطيب البيدا (٤)
مَنْ راكع ويداه انستا
أن ليس يبقى الباب موصودا (٥)
أنا أينما صَلَّى الأنام رأت
عيني السماء تفتحت جودا (٦)
لو رَمْلَةٌ هتفتْ بِمُبدِعِها
شجوا لكنتُ لشَجوها عُودا (۷)
ضج الحجيج هناك فاشتبكي
بقمي هنا يا ورق تغريدا (۸)
وأعز ربِّي النَّاسَ كلهم
بيضا فلا فرقت أو سودا (۹)
لا قفْرَةٌ إلا وتُخْصِبُها
إلا ويُعطى العطر لا عودا (۱۰)
الأرض ربِّي وَردةٌ وُعِدتْ
بك أنتَ تُقطف فارو موعودا (۱۱)
وجمال وَجْهكَ لا يزالُ رَجَاً
يُرْجَى وكل سواه مردودا (١٢)
هوامش
(1) – الأصْيد : الذي لا يَسْتَطِيعُ الالتفات، وقال الليث وغيره : الصّيد : مصدر الأصْيد، وهو الذي يرفع رأسه كبرا ، ومنه قيل للملك: أصْيد؛ لأنه لا يلتفت يمينا ولا شمالا، ويستعار المعنى للأنفة عموما.
غنّيتُ مَكةَ : أي غنيت لمكة وغنيت بها. عادني الشيء عودا واعتادني: انتابني. العيد: ما يعتاد من نوب وشوق وهم ونحوه. قال تأبط شراً:
يا عيد ما لَكَ مِن شَوق وإيراق
وَمَرْ طَيفَ عَلَى الأَهْوَالِ طَرَاقِ
وربما شاء سعيد عقل أن يعبر عما يعتاده من
شوق روحي إذ يرى ركب الحجيج
(٢) – لألأ أضاء ولمع والضمير في (فرحوا) راجع إلى أهل مكة؛ فمن فرحهم برقت بيوتهم والتمعت؛ فانضاف بريق بيوتهم إلى بريق البيت العتيق.
(۳) – الشهب: الجبل السامق المكلل بالثلج. والضمير في (بنيانه) راجع إلى بيت الهدى.
(٤) – صلّ : بمعنى أدعُ، وأصل الصلاة: في اللغة الدعاء. قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنْ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) التوبة: ١٠٣
قال ابن جرير في التفسير: «(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ): وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم واستغفر لهم منها: (إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَن لَّهُمْ) : إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم : (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ): والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم ولغير ذلك من كلام خلقه، عليم بما تطلب بهم بدعائك ربك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده».
الطيب: خلاف الخبيث. يقال: أرض طيبة للتي تصلح للنبات وريح طَيِّبَةً: إذا كانت لينةً ليست بشديدة؛ وطعمة طيبة: إذا كانت حلالا، وامرأة طيبة: إذا كانت حصاناً عفيفةً، وكلمة طيبة: إذا لم يكن فيها مكروه؛ وبَلْدَة طَيِّبة: أي آمنة كثيرة الخير، ونَفْسٌ طَيِّبة بما قُدرَ لها أي راضية؛ وتُربة طيبة: أي طاهرة، وزَبُونَ طَيِّبٌ: أَي سَهْل في مبايعته، وطعام طيب للذي يَسْتَلِذُ الأكلُ طَعْمه،والطيب: العطر.
باد الشيءَ: هلك. والبَيْداءُ: الصحراء المهلكة، وكانت العرب تسميها أيضا المفازة تيمنا بالفوز والنجاة من وعثائها ومعاطبها ومهالكها.
دعا الشاعر قراء القرآن لكي يدعوا لصحراء الحجاز بكل معاني الزكاء والطيب.
(٥) – آنس : أبصر وأحسّ ، والمقصود هنا أحس.
(٦) – الجود: السخاء والكرم الزاخر.
(۷) – رملة : مفرد رمل، ويقصد بها الشاعر ذرة الرمل. الهَتْفُ والهُتاف : الصوت الشديد العالي.
يقال: هَتفت بفلان: أي دعَوْتُه، وهتفت بفلان: أي مدحته. وفي حديث حنين: قال اهتف بالأنصار أي نادهم وادعُهم، وقد هَتف يَهْتِف هَتْفاً. وفي حديث بدر: فجعل يَهْتِفُ بربّه: أي يدعوه ويناشده. وهتفت الحمامة هتفا: ناحتْ.
الشجون: الهم والحزن، وشجاني يشجوني شجوا: إذا حزنه وأشجاني. وقيل: شجاني: طربني وشوقني وهيجني.
(۸)- الأورق : الذي لونه بين السواد والغُبْرَة، ويقال للحمامة ورقاء للونها . غَرِدَ الطائر أو الإنسان: أي رفع صوته بالغناء وطرب به.
مع ضجيج الحجيج بمكة دعا الشاعر الحمائم كي تخلط صوتها بصوته فيشتبكان معا؛ فهو معنى جد بديع وفريد.
(۹) – راع الشاعر موكب الحجيج، وهو يضم بشراً من كل الألوان من الشقر والحمر والصفر والسمر والخضر، فسأل الله تعالى أن يشملهم بالعز أجمعين.
(۱۰) – القَفْرُ : أرض لا نبات بها ولا ماء الخَصْب: نقيض الجدب وهو كثرة العشب.
دعا الشاعر الله تعالى أن يعم بالخصب كل قفر، وأن ينشر على الدنى أريج الزهر ونفح الغصن الرطيب.
(۱۱) – كأنما يومئ الشاعر إلى أن ثمار الأرض جميعها منح وعطايا خالصة من الرحمن للإنسان ولذا فهي تؤخذ باسم الله تعالى، ثم إنه ليرتجي منها المزيد.
(۱۳) – رَجَا: أي رجاءً. يشير الشاعر إلى نعمة رؤية الله تعالى في الآخرة. قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) القيامة: ٢٢ – ٢٣.
وقال تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ». يونس: ٢٦
و(الْحُسْنَى) هي الجنة، (وَزِيَادَةٌ) أي النظر إلى وجه الله تعالى.
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجنَّةَ نادى مُنادٍ : إِنَّ لَكُم عند الله موعداً، قالوا: ألم يبيض وجوهنا، وينجنا من النار، ويدخلنا الجنة؟ قالوا: بلى، فيُكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النظر إليه». رواه الترمذي.